علي بن محمد البغدادي الماوردي

271

أدب الدنيا والدين

وما شيء إذا فكرت فيه * بأذهب للمروءة والجمال من الكذب الذي لا خير فيه * وأبعد بالبهاء من الرجال والكذب جماع كل شرّ وأصل كل ذم لسوء عواقبه وخبث نتائجه لأنه ينتج النميمة والنميمة تنتج البغضاء والبغضاء تؤول إلى العداوة وليس مع العداوة أمن ولا راحة ولذلك قيل : من قل صدقه قل صديقه والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلة فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه ولكل واحد منهما دواع فدواعي الصدق لازمة ودواعي الكذب عارضة لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب وشرع مؤكد فالكذب يمنع منه العقل ويصدّ عنه الشرع ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة حتى تصير متواترة ولم يجز أن تستفيض الأخبار الكاذبة لأن اتفاق الناس في الصدق والكذب إنما هو لاتفاق الدواعي فدواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها حتى إذا نقلوا خبرا وكانوا عددا ينتفي عن مثلهم المواطأة وقع في النفس صدقة لأن الدواعي إليه نافعة واتفاق الناس في الدواعي النافعة ممكن ولا يجوز أن يتفق العدد الكثير الذي لا يمكن مواطأة مثلهم على نقل خبر يكون كذبا لأن الدواعي إليه غير نافعة وربما كانت ضارّة وليس في جاري العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواع غير نافعة ولذلك جاز اتفاق الناس على الصدق لجواز اتفاق دواعيهم ولم يجز أن يتفقوا على الكذب لامتناع اتفاق دواعيهم وإذا كان للصدق والكذب دواع فلا بدّ من ذكر ما سنج به الخاطر من دواعيهما . أما دواعي الصدق فمنها العقل لأنه موجب لقبح الكذب لا سيما إذا لم يجلب نفعا ولم يدفع ضررا . والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا ويمنع من إتيان ما كان مستقبحا وليس ما استحسن من مبالغات الشعراء حتى صار كذبا صراحا استحسانا للكذب في العقل كالذي أنشدنيه الأزدي لبعض الشعراء : توهمه فكري فأصبح خدّه * وفيه مكان الوهم في فكرتي أثر